ملاك صدام حسين
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

ملاك صدام حسين

منتدى فكري - ثقافي - سياسي
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولالأعضاء

شاطر | 
 

 الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جهينه الزبيدي
عضو جبهة التحرير العربية


عدد المساهمات : 347
تاريخ التسجيل : 05/11/2010

مُساهمةموضوع: الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك   السبت ديسمبر 07, 2013 10:26 am

الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك
قال الحكماء إذا أراد الله بعبد خيرا ألهمه الطاعة وألزمه القناعة وفقهه في الدين وعضده باليقين فاكتفى بالكفاف واكتسى بالعفاف وإذا أراد به شرا حبب إليه المال وبسط منه الآمال وشغله بدنياه ووكله إلى هواه فركب الفساد وظلم العباد الثقة بالله أزكى أمل والتوكل عليه أوفى عمل من لم يكن له من دينه واعظ لم تنفعه المواعظ من سره الفساد ساءه المعاد كل يحصد ما زرع ويجزي بما صنع لا يغرنك صحة نفسك وسلامة أمسك فمدة العمر قليلة وصحة النفس مستحيلة من أطاع هواه باع دينه بدنياه ثمرة العلوم العمل بالمعلوم من رضي بقضاء الله لم يسخطه أحد ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد أفضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه خير الناس من أخرج الحرص من قلبه وعصى هواه في طاعة ربه نصرة الحق شرف ونصرة الباطل سرف البخيل حارس نعمته وخازن لورثته من لزم الطمع عدم الورع إذا ذهب الحياء حل البلاء علم لا ينفع كدواء لا ينجع من جهل المرء أن يعصى ربه في طاعة هواه ويهين نفسه في إكرام دنياه أيام الدهر ثلاثة يوم مضى لا يعود اليك ويوم أنت فيه لا يدوم عليك ويوم مستقبل لا ندري ما حاله ولا تعرف من أهله من كثر ابتهاجه بالمواهب اشتد انزعاجه للمصائب لا تبت على غير وصية وإن كنت من جسمك في صحة ومن عمرك في فسحة عظ المسيء بحسن أفعالك ودل على الجميل بجميل خلالك إياك وفضول الكلام فإنه يظهر من
عيوبك ما بطن ويحرك من عدوك ما سكن لا يجد العجول فرحا ولا الغضوب سرورا ولا الملول صديقا حسن النية من العبادة حسن الجلوس من السياسة من زاد في خلقه نقص في حظه من ائتمن الزمان خانه أظهر الناس محبة أحسنهم لقاء لا يكمل للإنسان دينه حتى يكون فيه أربع خصال يقطع رجاءه مما في أيدي الناس ويسمع شتم نفسه ويصبر ويحب للناس ما يحب لنفسه ويثق بمواعيد الله إياك والحسد فإنه يفسد الدين ويضعف اليقين ويذهب المروءة قيل لأفلاطون ما الشيء الذي لا يحسن أن يقال وإن كان حقا قال مدح الانسان نفسه أربعة تؤدي إلى أربعة الصمت إلى السلامة والبر إلى الكرامة والجود إلى السيادة والشكر إلى الزيادة من ساء تدبيره أهلكه جده الغرة ثمرة الجهل آفة القوة استضعاف الخصم آفة النعم قبيح المن آفة الذنب حسن الظن الحزم أسد الآراء والغفلة أضر الأعداء من قعد عن حيلته أقامته الشدائد ومن نام عن عدوه أيقظته المكايد من قرب السفلة وأطرح ذوي الأحساب والمروآت استحق الخذلان من عفا تفضل من كظم غيظه فقد حلم من حلم فقد صبر ومن صبر فقد ظفر من ملك نفسه عند أربع حرمه الله على النار حين يغضب وحين يرغب وحين يرهب وحين يشتهي من طلب الدنيا بعمل الآخرة فقد خسرهما ومن طلب الآخرة بعمل الدنيا فقد ربحهما كلام المرء بيان فضله وترجمان عقله فاقصره على الجميل واقتصر منه على القليل كل امرىء يعرف بقوله ويوصف بفعله فقل سديدا وافعل حميدا من عرف شأنه وحفظ لسانه وأعرض عما لا يعنيه وكف عن عرض أخيه دامت سلامته وقلت ندامته كن صموتا وصدوقا فالصمت حرز والصدق عز من أكثر مقاله سئم ومن أكثر سؤاله حرم من استخف بإخوانه خذل ومن اجترأ على سلطانه قتل ما عز من أذل جيرانه ولا سعد من حرم إخوانه خير النوال ما وصل قبل السؤال أولى الناس
بالنوال أزهدهم في السؤال من حسن صفاؤه وجب اصطفاؤه من غاظك بقبيح الشتم منه فغظه بحسن الحلم عنه من يبخل بماله على نفسه جاد به على زوج عرسه إذا اصطنعت المعروف فاستره وإذا اصطنع إليك فانشره من جاور الكرام أمن من الإعدام من طاب أصله زكا فرعه من أنكر الصنيعة استوجب القطيعة من من بمعروفه سقط شكره ومن أعجب بعمله حبط أجره من رضي من نفسه بالإساءة شهد على أصله بالرداءة من رجع في هبته بالغ في خسته من رقي في درجات الهمم عظم في عيون الأمم من كبرت همته كثرت قيمته من ساء خلقه ضاق رزقه من صدق في مقاله زاد في جماله من هان عليه المال توجهت إليه الآمال من جاد بماله جل ومن جاد بعرضه ذل خير المال ما أخذ من الحلال وصرف في النوال وشر المال ما اخذ من الحرام وصرف في الآثام أفضل المعروف إغاثة الملهوف من تمام المروءة أن تنسى الحق لك وتذكر الحق عليك وتستكبر الإساءة منك وتستصغرها من غيرك من أحسن المكارم عفو المقتدر جود الرجل يحببه إلى أصدقائه وبخله يبغضه إلى أودائه لا تسيء إلى من أحسن إليك ولا تعن على من أنعم عليك من كثر ظلمه واعتداؤه قرب هلاكه وفناؤه من طال تعديه كثرت أعاديه شر الناس من ينصر الظلوم ويخذل المظلوم من حفر حفيرا لأخيه كان حتفه فيه من سل سيف العدوان أغمد في رأسه من لم يرحم العبرة سلب النعمة ومن لم يقل العثرة سلب القدرة لا تحاج من يذهلك خوفه ويملكك سيفه صمت تسلم به خير من نطق تندم عليه من قال ما لا ينبغي سمع ما لا يشتهي جرح الكلام أصعب من جرح الحسام من سكت عن جاهل فقد أوسعه جوابا وأوجعه عتابا من أمات شهوته أحيا مروءته من كثرت عوارفه كثرت معارفه من لم
تقبل توبته عظمت خطيئته إياك والبغي فإنه يصرع الرجال ويقطع الآجال الناس في الخير أربعة أقسام منهم من يفعله ابتداء ومنهم من يفعله اقتداء ومنهم من يتركه حرمانا ومنهم من يتركه استحسانا فمن فعله ابتداء فهو كريم ومن فعله اقتداء فهو حكيم ومن تركه حرمانا فهو شقي ومن تركه استحسانا فهو دني من سالم سلم ومن قدم الخير غنم ومن لزم الرقاد عدم المراد ومن دام كسله خاب أمله العجول مخطىء وإن ملك والمتأني مصيب وإن هلك من أمارات الخذلان معاداة الإخوان استفساد الصديق من عدم التوفيق الرفق مفتاح الرزق من نظر في العواقب سلم من النوائب ومن أسرع في الجواب أخطأ في الصواب من ركب العجل أدركه الزلل من ضعفت آراؤه قويت أعداؤه من قلت فضائله ضعفت وسائله من فعل ما شاء لقي ما ساء من كثر اعتباره قل عثاره من ركب جده غلب ضده القليل مع التدبير أبقى من الكثير مع التبذير ظن العاقل أصح من يقين الجاهل قليل تحمد آخرته خير من كثير تذم عاقبته من خاف سطوتك تمنى موتتك إذا استشرت الجاهل اختار لك الباطل من أعجبته آراؤه غلبته أعداؤه من قصر عن السياسة صغر عن الرياسة لا تشتك ضعفك إلى عدوك فإنك تشمته بك وتطمعه فيك من لم يعمل لنفسه عمل للناس ومن لم يصبر على كده صبر على الإفلاس من أفشى سره أفسد أمره الحازم من حفظ ما في يده ولم يؤخر شغل يومه لغده من طلب ما لا يكون طال تعبه لا تفتح بابا يعييك سده ولا ترم سهما يعجزك رده سوء التدبير سبب التدمير أغمد سيفك ما ناب عنك لسانك ليس العجب من جاهل يصحب جاهلا ولكن العجب من عاقل يصحبه لأن كل شيء يفر من ضده ويميل إلى جنسه إذا نزل القدر بطل الحذر رب عطب تحت طلب ومنية تحت أمنية لا يخلو المرء من ودود يمدح وعدو يقدح الجوع خير الخضوع الكذوب متهم وإن صدقت لهجته ووضحت حجته من طاوعه طرفه اشتد
حتفه من لم تسر حياته لم تغم وفاته من اعظم الذنوب تحسين العيوب الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية إذا ملك الأراذل هلك الأفاضل من ساءت أخلاقه طاب فراقه من حسنت خصاله طاب وصاله بعد يورث الصفا خير من قرب يوجب الجفا اللسان سيف قاطع لا يؤمن حده والكلام سهم نافذ لا يمكن رده من اطلع على جاره انهتكت حجب أستاره أجهل الناس من قل صوابه وكثر إعجابه أظهر الناس نفاقا من أمر بالطاعة ولم يأتمر بها ونهى عن المعصية ولم ينته عنها من سلا عن المسلوب كمن لم يسلب ومن صبر على النكبة كمن لا ينكب الفضيلة بكثرة الآداب لا بفراهة الدواب من زادت شهوته نقصت مروءته من عرف بشيء نسب إليه ومن اعتاد شيئا حرص عليه عند الجدال يظهر فضل الرجال من أخر الأكل لذ طعامه ومن أخر النوم طاب منامه موت في دولة وعز خير من حياة في ذلة وعجز مقاساة الفقر هي الموت الأحمر ومسألة الناس هي العار الأكبر حق يضر خير من باطل يسر كم من مرغوب فيه يسوء ولا يسر ومرهوب منه ينفع ولا يضر عثرة الرجل تزيل القدم وعثرة اللسان تزيل النعم المزاج يورث الضغائن من حلم ساد ومن تفهم ازداد معاشرة ذوي الألباب عمارة القلوب شر ما صحب المرء الحسد ربما أصاب الأعمى رشده وأخطأ البصير قصده اليأس خير من التضرع إلى الناس لا تكن ضاحكا في غير عجب ولا ماشيا في غير أرب من سعى بالنميمة حذره القريب ومقته الغريب الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استبد برأيه أشرف الغني ترك المنى من ضاق خلقه مله أهله الحسد للصديق من سقم المودة كل الناس راض عن عقله دنياك كلها وقتك الذي أنت فيه استر سوأة أخيك لما يعلم فيك خمول الذكر أسنى من الذكر الذميم العجلة أخت الندامة
من كرم أصله لان قلبه ومن قل لبه زاد عجبه ربما أدرك بالظن الصواب ليس لمعجب رأي ولا لمتكبر صديق سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار لا تعادين أحد فإنك لا تخلو من عداوة جاهل أو عاقل فالحذر من حكمة العاقل وجهل الجاهل ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدل على ربه من قل سروره كان الموت راحته لا تردن على ذي خطأ خطأه فيستفيد منك علما ويتخذك عدوا استحي من ذم من لو كان حاضرا لبالغت في مدحه ومدح من لو كان غائبا لسارعت إلى ذمه
وقيل المنفعة توجب المحبة والمضرة توجب البغضة والمخالفة توجب العداوة والمتابعة توجب الألفة والعدل يوجب اجتماع القلوب والجور يوجب الفرقة وحسن الخلق يوجب المودة وسوء الخلق يوجب المباعدة والانبساط يوجب المؤانسة والانقباض يوجب الوحشة والكبر يوجب المقت والتواضع يوجب الرفعة والجود يوجب المدح والبخل يوجب الذم والتواني يوجب التضييع والحزم يوجب السرور والحذر يوجب السلامة وإصابة التدبير توجب بقاء النعمة وبالتأني تسهل المطالب وبحسن المعاشرة تدوم المحبة وبخفض الجانب تأنس النفوس وبسعة خلق المرء يطيب عيشه والاستهانة توجب التباعد وبكثرة الصمت تكون الهيبة وبعدل المنطق تجلب الجلالة وبالنصفة تكثر المواصلة وبالأفضال يعظم القدر وبصالح الأخلاق تزكو الأعمال وباحتمال المؤن يجب السؤدد وبالحلم على السفيه تكثر أنصارك عليه وبالرفق والتودد تستحق اسم الكرامة وبترك ما لا يعنيك يتم لك الفضل
واعلم أن السياسة تكسو أهلها المحبة ومن صغر الهمة الحسد للصديق على النعمة والنظر في العواقب نجاة ومن لم يحلم ندم ومن
صبر غنم ومن سكت سلم ومن اعتبر أبصر ومن أبصر فهم ومن فهم علم ومن أطاع هواه ضل ومع العجلة الندامة ومع التأني السلامة وزارع البر يحصد السرور وصاحب العقل مغبوط وصداقة الجاهل تعب إذا جهلت فاسأل وإذا زللت فارجع وإذا أسأت فاندم وإذا ندمت فاقلع المروآت كلها تبع للعقل والرأي تبع للتجربة والعقل أصله التثبت وثمرته السلامة والأعمال كلها تتبع القدر واختار العلماء أربع كلمات من أربع كتب فمن التوراة من قنع شبع ومن الانجيل من اعتزل نجا ومن الزبور من سكت سلم ومن القرآن ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم واجتمعت حكماء العرب والعجم على أربع كلمات لا تحمل بطنك ما لا يطيق ولا تعمل عملا لا ينفعك ولا تغتر بامرأة ولا تثق بمال ولو كثر والله تعالى أعلم
الألحان وذكر الغناء
الباب الثامن والستون
في الأصوات والألحان وذكر الغناء واختلاف الناس فيه ومن كرهه ومن استحسنه وما ذكرت ذل إلا لأني كرهت أن يكون كتابي هذا بعد اشتماله على فنون الأدب والتحف والنوادر والأمثال عاطلا من هذه الصناعة التي هي مراد السمع ومرتع النفس وربيع القلب ومجال الهوى ومسلاة الكئيب وأنس الوحيد وزاد الراكب لعظم موقع الصوت الحسن من القلب وأخذه بمجامع النفس
فصل في الصوت الحسن
قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى ( يزيد في الخلق ما يشاء ) هو الصوت الحسن وعن النبي أنه قال أتدرون متى كان الحداء ؟ قالوا لا بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله قال إن أباكم مضر خرج في طلب مال له فوجد غلاما قد تفرقت إبله فضربه على يده بالعصا فعدا الغلام في الوادي وهو يصي ح وايداه فسمعت الإبل صوته فعطفت عليه فقال مضر لو اشتق من الكلام مثل هذا لكان كلاما تجتمع عليه الإبل فاشتق الحداء وقال النبي لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه لما أعجبه حسن صوته لقد رأيت مزمارا من مزامير آل داود وقيل إن داود عليه الصلاة والسلام كان يخرج
إلى صحراء بيت المقدس يوما في الأسبوع وتجتمع عليه الخلق فيقرأ الزبور بتلك القراءة الرخيمة وكان له جاريتان موصوفتان بالقوة والشدة فكانتا تضبطان جسده ضبطا شديدا خيفة أن تنخلع أوصاله مما كان ينتحب وكانت الوحوش والطير تجتمع لاستماع قراءته قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى بلغنا أن الله تعالى يقيم داود عليه الصلاة والسلام يوم القيامة عند ساق العرش فيقول يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم وقال سلام الحادي للمنصور وكان يضرب المثل بحدائه مر يا أمير المؤمنين بأن يظمأوا إبلا ثم يورودها الماء فإني آخذ في الحداء فترفع رؤوسها وتترك الشرب وزعم أهل الطب أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق فيصفو له الدم وتنمو له النفس ويرتاح له القلب وتهتز له الجوارح وتخف له الحركات ولهذا كرهوا للطفل أن ينام على أثر البكاء حتى يرقص ويطرب وزعمت الفلاسفة أن النغم فصل بقي من النطق لم يقدر اللسان على استخراجه فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع فلما ظهر عشقته النفس وحينت إليه الروح ألا ترى إلى أهل الصناعات كلها إذا خافوا الملالة والفتور على أبدانهم ترنموا بالألحان واستراحت إليها أنفسهم وليس من أحد كائنا من كان إلا وهو يطرب من صوت نفسه ويعجبه طنين رأسه ولو لم يكن من فضل الصوت الحسن إلا أنه ليس في الأرض لذة تكتسب من مأكل ولا مشرب ولا ملبس ولا صيد إلا وفيها معاناة على البدن وتعب على الجوارح ما خلا السماع فإنه لا معاناة فيه على البدن ولا تعب على الجوارح وقد يتوصل بالألحان الحسان إلى خيري الدنيا والآخرة فمن ذلك أنها تبعث على مكارم الأخلاق من اصطناع المعروف وصلة الأرحام والذب عن الأعراض والتجاوز عن الذنوب وقد يبكي الرجل بها على خطيئته ويتذكر نعيم الملكوت ويمثله في ضميره ولأهل الرهبانية نغمات وألحان شجية يمجدون الله تعالى بها ويبكون على خطاياهم ويتذكرون نعيم الآخرة وكان أبو يوسف القاضي يحضر مجلس الرشيد وفيه الغناء فيجعل مكان السرور به بكاء كأنه يتذكر نعيم الآخرة وقد تحن
القلوب إلى حسن الصوت حتى الطير والبهائم وكان صاحب الفلاحات يقول إن النحل أطرب الحيوان كله على الغناء قال الشاعر
( والطير قد يسوقه للموت ... إصغاؤه إلى حنين الصوت ) وزعموا أن في البحر دواب ربما زمرت أصواتا مطربة ولحونا مستلذة يأخذ السامعين الغشي من حلاوتها فاعتنى بها وضعة الألحان بأن شبهوا بها أغانيهم فلم يبلغوا وربما يغشى على سامع الصوت الحسن للطافة وصوله إلى الدماغ وممازجته القلب ألا ترى إلى الأم كيف تناغي ولدها فيقبل بسمعه على مناغاتها ويتلهى عن البكاء والإبل تزداد نشاطها وقوتها بالحداء فترفع آذانها وتلتفت يمنة ويسرة وتتبختر في مشيتها وزعموا أن السماكين بنواحي العراق يبنون في جوف الماء حفائر ثم يضربون عندها بأصوات شجية فتجتمع السمك في الحفائر فيصيدونه وقد نبهت على ذلك في باب ذكر البحار وما فيها من العجائب والراعي إذا رفع صوته ونفخ في يراعته تلقته الغنم بآذانها وجدت في رعيها والدابة تعاف الماء فإذا سمعت الصفير بالغت في الشرب وليس شيء مما يستلذ به أخف مؤنة من السماع قال أفلاطون من حزن فليسمع الأصوات الحسنة فإن النفس إذا حزنت خمدت نارها فإذا سمعت ما يطربها ويسرها اشتعل منها ما خمدت وما زالت ملوك فارس تلهي المحزون بالسماع وتعلل به المريض وتشغله عن التفكير ومنهم أخذت العرب حتى قال ابن غيلة الشيباني
( وسماع مسمعة يعللنا ... حتى ننام تناوم العجم ) وحكي أن البعلبكي مؤذن المنصور رجع في أذانه ليلة وجارية تصب الماء على يد المنصور فارتعدت حتى وقع الإبريق من يدها فقال له المنصور خذ هذه الجارية فهي لك ولا تعد ترجع هذا الترجيع وقال عبد الرحمن به عبد الله بن أبي عمارة في قينة
( ألم ترها لا أبعد الله دارها ... إذا رجعت في صوتها كيف تصنع )
( تدير نظام القول ثم ترده ... إلى صلصل من صوتها يترجع ) وبعد فهل خلق الله شيئا أوقع بالقلوب وأشد اختلاسا للعقول من الصوت الحسن لا سيما إذا كان من وجه حسن كما قال الشاعر
( رب سماع حسن ... سمعته من حسن )
( مقرب من فرح ... مبعد من حزن )
( لا فارقاني أبدا ... في صحة من بدن ) وهل على الأرض من جبان مستطار الفؤاد يغني بقول جرير
( قل للجبان إذا تأخر سرجه ... هل أنت من شرك المنية ناجي ) إلا شاجن شجعت نفسه وقوي قلبه أم هل على الأرض من بخيل قد انقبضت أطرافه يوما يغني بقول حاتم الطائي
( يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا ) إلا انبسطت أنامله ورشحت أطرافه واختلف الناس في الغناء فأجازه عامة أهل الحجاز وكرهه عامة أهل العراق فمن حجة من أجازه ما روي أن النبي قال لحسان ( شن الغطاريف على بني عبد مناف فوالله لشعرك عليهم أشد من وقع السهام في غلس الظلام ) واحتجوا في أباحة الغناء واستحسانه بقول النبي لعائشة رضي الله تعالى عنها ( أهديتم الفتاة إلى بعلها ؟ قالت نعم قال فبعثتم معها من يغني ؟ قالت لم نفعل قال أو ما علمت أن الأنصار قوم يعجبهم القول ألا بعثتم معها من يقول
( أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم )
( ولولا الحبة السمراء ... لم نحلل بواديكم ) ولا بأس بالغناء إذا لم يكن فيه أمر محرم ولا يكره السماع عند العرس والوليمه والعقيقة وغيرها فإن فيه تحريكا لزيادة سرور مباح أو مندوب ويدل عليه ما روي من إنشاد النساء بالدف والألحان عند قدوم النبي حيث قلن
( طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع )
( وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع )
( أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع ) ويدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها إنها قالت رأيت النبي يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد الحرام حتى أكون أنا التي أسامه ويدل عليه أيضا ما روي في الصحيحين من حديث عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة رشي الله تعالى عنها أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى يدففان ويضربان والنبي متغش بثوبه فانتهرها أبو بكر فكشف النبي عن وجهه وقال دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد وعن قرة بن خالد بن عبد الله بن يحيى قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه للنابغة الجعدي أسمعني بعض ما عفا الله لك عنه من هناتك فأسمعه كلمة فقال له وإنك لقائلها قال نعم قال طالما غنيت بها خلف جمال الخطاب وعن عبد الله بن عوف قال أتيت باب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فسمعته يغني بالركابية يقول
( فكيف ثوائي بالمدينة بعدما ... قضى وطرا منها جميل بن معمر ) وكان جميل بن معمر من أخصاء عمر قال فلما استأذنت عليه قال لي أسمعت ما قلت ؟ قلت نعم قال إذا خلونا ما يقول الناس في بيوتهم وقد أجازوا تحسين الصوت في القراءة والأذان فإن كانت الألحان مكروهة فالقراءة والأذان أحق بالتنزيه عنها وإن كانت غير
مكروهة فالشعر أحوج إليها لإقامة الوزن وما جعلت العرب الشعر موزونا إلا لمد الصوت والدندنة ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنشور ومن حجة من كره الغناء أنه قال أنه ينفر القلوب ويستفز العقول ويبعث على اللهو ويحض على الطرب وهذا باطل في أصله وتأولوا في ذلك قوله تعالى ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا ) وأخطأ من أول هذا التأويل إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السير والأحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن ويقولون إنها أفضل منه وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزوا وقال رجل للحسن البصري ما تقول في الغناء يا أبا سعيد ؟ فقال نعم العون على طاعة الله تعالى يصل الرجل به رحمه ويواسي به صديقه قال ليس عن هذا أسألك قال وعم سألتني ؟ قال أن يغني الرجل قال وكيف يغني ؟ فجعل الرجل يلوي شدقيه ويفتح منخريه فقال الحسن والله يا ابن أخي ما ظننت أن عاقلا يفعل بنفسه هذا أبدا فلم ينكر الحسن عليه إلا تشويه وجهه وتعويج فمه وسمع ابن المبارك سكران يغني هذا البيت
( أذلني الهوى فأنا الذليل ... وليس إلى الذي أهوى سبيل ) قال فأخرج دواة وقرطاسا وكتب البيت فقيل له أتكتب بيت شعر سمعته من رجل سكران فقال أما سمعتم المثل رب جوهرة في مزبلة وكان لأبي حنيفة جار من الكيالين مغرم بالشراب وكان يغني على شرابه يقول العرجي
( اضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر ) قال فأخذه العسس ليلة وحبسه ففقد أبو حنيفة صوته واستوحش له فقال لأهله ما فعل جارنا الكيال ؟ قالوا أخذه العسس وهو
في الحبس فلما أصبح أبو حنيفة توجه إلى عيسى بن موسى فاستأذن عليه فأسرع إذنه وكان أبو حنيفة قليلا ما يأتي أبواب الملوك فأقبل عليه عيسى بن موسى وسأله عما جاء بسببه فقال أصلح الله الأمير إن لي جارا من الكيالين أخذه عسس الأمير ليلة كذا فوقع في حبسه فأمر عيسى بن موسى بإطلاق كل من في الحبس إكراما لأبي حنيفة فأقبل الكيال على أبي حنيفة يتشكر له فلما رآه أبو حنيفة قال له هل أضعناك يا فتى يعرض له بشعره الذي ينشده ؟ قال لا والله ولكنك بررت وحفظت وكان عروة بن أدية ثقة في الحديث روي عنه مالك بن أنس وكان شاعرا مجيدا لبقا غزلا وكان يصوغ ألحان الغناء على شعره وينحلها للمغنين قيل إنه وقفت عليه إمرأة يوما وحوله التلاميذ فقالت له أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح وأنت تقول
( إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد )
( هبي بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد ) وكان عبد الملك الملقب بالقس عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح في العبادة قيل إنه مر يوما بسلامة وهي تغني فاقام يسمع غناءها فرآه مولاها فقال له هل لك أن تدخل وتسمع فأبى فلم يزل به حتى دخل فغنته فأعجبته ولم يزل يسمعها ويلاحظ النظر حتى شغف بها فلما شعرت بلحظه إياها غنته
( رب رسولين لنا بلغا ... رسالة من قبل أن نبرحا )
( الطرف للطرف بعثناهما ... فقضيا حاجا وما صرحا ) قال فأغمي عليه وكاد يهلك فقالت له إني والله أحبك قال وأنا والله أحبك قالت وأحب أن أضع فمي على فمك قال وأنا والله كذلك قالت فما يمنعك من ذلك ؟ قال أخشى أن تكون صداقة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة أما سمعت قوله تعالى
( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) ثم نهض وعاد إلى طريقته التي كان عليها وأنشأ يقول
( قد كنت أعذل في السفاهة أهلها ... فاعجب لما تأتي به الأيام )
( فاليوم أعذرهم وأعلم إنما ... سبل الضلالة والهدى أقسام ) وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية بالشام فأنزله في دار عياهل وأظهر من إكرامه ما يستحقه فغاظ ذلك فاختة بنت قرظة زوج معاوية فسمعت ذات ليلة غناء عند عبد الله بن حعفر فجاءت إلى معاوية فقالت هلم فاسمع ما في منزلك الذي جعلته من لحمك ودمك وأنزلته بين حرمك فجاء معاوية فسمع شيئا حركه وأطربه فقال والله إني لأسمع شيئا تكاد الجبال أن تخر له ثم انصرف فلما كان في آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله بن جعفر وهو قائم يصلي فنبه فاختة وقال لها اسمعي مكان ما أسمعتني هؤلاء قومي ملوك بالنهار رهبان بالليل ثم إن معاوية أرق ذات ليلة فقال لخادمه اذهب فانظر من عند عبد الله بن جعفر وأخبره إني قادم عليه فذهب وأخبره فأقام عبد الله كل من كان عنده فلما جاء معاوية لم ير في المجلس غير عبد الله فقال مجلس من هذا ؟ قال عبد الله هذا مجلس فلان يا أمير المؤمنين فقال معاوية مره فليرجع إلى مجلسه حتى لم يبق إلا مجلس رجل واحد قال مجلس من هذا ؟ قال مجلس رجل يداوي الآذان يا أمير المؤمنين قال إن أذني عليلة فمره أن يرجع إلى مجلسه وكان مجلس بديح المغني فأمره عبد الله بن جعفر فرجع إلى موضعه فقال له معاوية داو أذني من علتها فتناول العود وغنى وقال
( ودع سعاد فإن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل ) قال فحرك عبد الله بن جعفر رأسه فقال له معاوية لم حركت رأسك يا ابن جعفر ؟ قال أريحية أجدها يا أمير المؤمنين لو لقيت
لأبليت ولو سئلت لأعطيت وكان معاوية قد خضب قال فقال ابن جعفر لبديح هات غير هذا وكان عند معاوية جارية أعز جواريه عليه وكانت تتولى خضابه فغنى بديح وقال
( أليس عندك شكر للتي جعلت ... ما ابيض من قادمات الرأس كالحمم )
( وجددت منك ما قد كان أخلقه ... صرف الزمان وطول الدهر والقدم ) فطرب معاوية طربا شديدا وجعل يحرك رجله فقال له ابن جعفر يا أمير المؤمنين إنك سألتني عن تحريك رأسي فأجبتك وأخبرتك وأنا أسألك عن تحريك رجلك فقال كل كريم طروب ثم قام وقال لا يبرح أحد منكم حتى يأتي له إذني ثم ذهب فبعث إلى ابن جعفر بعشرة آلاف دينار ومائة ثوب من خاصة كسوته وإلا كل رجل منهم بألف دينار وعشرة أثواب وحدث ابن الكلبي والهيثم بن عدي قالا بينما عبد الله بن جعفر في بعض أزقة المدينة إذ سمع غناء فاصغى إليه فإذا صوت رقيق لقينة تغني وتقول
( قل للكرام ببابنا يلجوا ... ما في التصابي على الفتى حرج ) فنزل عبد الله عن دابته ودخل على القوم بلا إذن فلما رأوه قاموا إجلالا له ورفعوا مجلسه فأقبل عليه صاحب المجلس وقال يا ابن عم رسول الله أتدخل مجلسنا بلا إذن وليس هذا من شأنك ؟ فقال عبد الله لم أدخل إلا بإذن قال ومن لك ؟ قال قينتك هذه سمعتها تقول قل للكرام ببابنا يلجوا فولجنا فإن كنا كراما فقد أذن لنا وإن كنا لئاما خرجنا مذمومين فقبل صاحب المنزل يده وقال جعلت فداك والله ما أنت إلا من أكرم الناس فبعث عبد الله إلى جارية من جواريه فحضرت ودعا بثياب وطيب فكسا القوم وطيبهم ووهب الجارية لصاحب المنزل وقال هذه أحذق بالغناء من جاريتك وسمع سليمان بن عبد الملك مغنيا في عسكره فقال
اطلبوه فجاؤا به فقال أعد علي ما غنيت به فغنى وأحفل وكان سليمان أغير الناس فقال لأصحابه كأنها والله جرجرة الفحل في الشوك وما أظن أنثى تسمع هذا إلا صبت إليه ثم أمر به فخصي
أصل الغناء ومعدنه قال أبو المنذر هشام الغناء على ثلاثة أوجه النصب والسناد والهزج فأما النصب فغناء الفتيان والركبان وأما السناد فالثقيل الترجيع الكثير النغمات وأما الهزج فالخفيف كله وهو الذي يستفز القلوب ويهيج الحليم وقيل كان أصل الغناء ومعدنه في أمهات القرى فاشيا ظاهرا وهي المدينة والطائف وخيبر وفدك ووادي القرى ودومة الجندل واليمامة وهذه القرى مجامع أسواق العرب ويقال إن أول من صنع العود لامك ابن قاين بن آدم وبكى به على ولده ويقال إن صانعه بطليموس صاحب الموسيقى وهو كتاب اللحون الثمانية والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ذلك وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملاك صدام حسين :: اهم الاخبار-
انتقل الى: